مصباح قطب يكشف عن خريطة الحروب الدولية القادمة حول خطوط نقل الغاز
مصباح قطب يكشف عن خريطة الحروب الدولية القادمة حول خطوط نقل الغاز

الثلاثاء 1 اغسطس 2017   1:34:00 ص - عدد القراء 69



مصباح قطب يكشف عن خريطة الحروب الدولية القادمة حول خطوط نقل الغاز

eeac26bd1f.jpg

 

عصبة الأمم الأنبوبية

مصباح قطب

منذ وقت مبكر نبهت ونبه غيرى إلى أهمية قراءة الصراعات الدولية والإقليمية الراهنة من منظور عملية اكتشافات وإنتاج وتنمية حقول الغاز الطبيعى ونقله وتجارته.

لقد قال «روبرت مابرو» ذات يوم إن العصر الحجرى انتهى ليس لأن الحجر قد نفد، ولكن لأن أهميته قد تضاءلت بعد اكتشاف البرونز. نفس الأمر يمكن قوله على النفط فعصر النفط يوشك أن ينتهى ليس لأن الحقول نضبت، ولكن لأن أهميته الاستراتيجية والجيوسياسية قد تراجعت بعد ظهور الغاز الطبيعى وتطور تكنولوجيات إنتاج الطاقة الشمسية والنووية والرياح والغاز الصخرى الخ، وأطل علينا ومنذ قبيل نهاية التسعينيات من القرن الماضى عصر الغاز بكل ما له أو عليه.

وكما رافقت «سايكس بيكو» الأولى (1916) عصر فورة النفط فقد صاحبت «سايكس بيكو» الثانية ثورة الغاز الطبيعى، ورأينا ما رأيناه من انفجارات وتفجيرات مخيفة في المنطقة للتأثير على حدودها وجغرافيتها وبنيتها التحتية والمؤسسية والسيادية، كل ذلك بهدف إخلاء الساحات لمد أنابيب الغاز للتصدير إلى أكبر مستهلك – أوروبا – أو منع الآخرين من مدها. كم من مفردات كاذبة إسلاموية أو ثورية أو إخوانجية أو عثمانلية أو إسرائيلية أو أمريكية أو قطرية تم إطلاقها للتمويه على الطابع الاستغلالى البشع لتلك التغييرات وخداع الجماهير المتعطشة إلى الحرية والحداثة والعدالة في المنطقة.

جرى تسابق مروع بين مشروعين أحدهما روسى والآخر أمريكي للتعامل مع أنابيب الغاز التي تربط حقول آسيا الوسطى وإيران والدول العربية المنتجة للغاز والمصدرة أو الواعدة مثل مصر وليبيا ولبنان وسوريا للفوز بأكبر كعكة في التقاسيم الجديدة أو حرمان الآخرين من الكيكة أو رمى الفتات لهم. حاولت أمريكا وحلفاء إقامة خط «نابوكو» بداية من عام 2000 من آسيا الوسطى إلى أوروبا دون المرور بروسيا فأفشلت روسيا ذلك، فلجأت أمريكا إلى بديل هو مد خط من قطر وعبر السعودية ثم العراق إلى شمال سوريا فتركيا لنقل غاز هذه الدول (وتقبل مبدئى لنقل غاز إيران بشروط) إلى أوروبا بعيدا أيضا عن روسيا وعندما فشل ذلك أيضا بخسارة الحرب في سوريا برز بديل أمريكي جديد.

خبرة تاريخ الثورة العربية الكبرى، ثورة الشريف حسين وابنه فيصل الأول، بالتحالف مع الإنجليز– بحسن نية مخيف – ضد الأتراك العثمانلية، تكشف حرص بريطانى بالغ على تحطيم كل مايمكن تحطيمه من خط السكك الحديد الذي يربط دمشق والحجاز والأردن وفلسطين ومصر والعراق، وكأولية أولى في أي معركة خلال الثورة، بحجة حرمان الأتراك من نقل الوقود والمعدات والجنود، يقابله محاولات تركيا تحطيم مرافئ السفن أو السيطرة عليها  خاصة الوقعة على المتوسط ، لحرمان الأسطول البريطاني المتفوق من الحركة ونقل النفط أو غيره. كل طرف يريد حرمان الآخر من وسيلة نقل النفط (والعتاد) الذي بدونه فخسارة المعارك حتمية، مع عمل بريطانى خبيث على حرمان العرب من التشبيك الاقتصادى والاجتماعي والثقافى الذي يمكن أن يولده خط السكة الحديد. شربنا كعرب اللعبة، ودفعنا الثمن بعد أن تبين خديعة إنجلترا وفرنسا لنا بابراهما «سايكس بيكو» من خلف ظهر الجميع.

الصراع حاليا هو عينه فكل طرف يحاول أن يقيم من خطوط الأنابيب لنقل الغاز ما يحقق أكبر مكاسب له ولحلفائه ولو بتدمير دول أو أجزاء منها أو احتلال قسم هنا أو هناك لتأمين إنشاء وتشغيل الخط، بينما يقوم الطرف الآخر بمقاومة ذلك بكل ما يستطيع مع محاولة تشكيل خطوط أنابيبية أخرى تحقق مصالحه ومصالح من معه.

هذا هو مفتاح شفرة الصراعات بوضوح ومعه نفهم سر مواقف قطر وتركيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا وسر الهجمة على سوريا باعتبارها همزة الربط في أي مشروع بديل لـ«نابوكو». وتعد عقوبات أمريكا ضد روسيا الأخيرة والتى وافق عليها الشيوخ والكونجرس بأغلبية ساحقة (حماية لمصالح شركات النفط الأمريكية) حلقة أخرى على مسار الصراع، فبعد أن خسرت أمريكا معركة سوريا، تريد الآن تعويض ما خسرته بالعقوبات حتى توقف إقامة خط «السيل الشمالى» من روسيا إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، وهو الخط الذي تعمل فيه شركات ألمانية وفرنسية وروسية معا، ويفيد في توفير الإمدادات لعدة دول أوروبية لا غنى لها عن الغاز، وبأسعار أقل مما يمكن أن تبيع به الولايات المتحدة غازها لأوروبا، حيث تكلفة النقل والاستخراج أعلى.

الفارق بين روسيا وأمريكا في الصراع أن روسيا تستخدم إلى حد بعيد أدوات القانون الدولى والتحالفات المشروعة بين دول ذات سيادة بينما تلجأ الولايات المتحدة إلى جماعات الارهاب وإلى التشريعات العابرة للحدود بلا أي سند من قانون دولى، وكذا إلى العملاء مثل قطر.

قد يكون مطلوبا بعد كل ذلك الخراب والدمار وأشلاء ملايين البشر التي تمزقت من جراء هذا الصراع، إقامة كيان دولى تحت اسم «عصبة الأمم الأنابيبية» أي التي تمد أنابيب أو تمر الأنابيب بها أو تستفيد منها، للاتفاق على ميثاق عالمى لهذه العملية، إذ بالإمكان التوصل إلى توافق مقبول من الأطراف وكفى دمارا وعدوانية وعدمية وكذب. جانبيا أنبه الحكومة المصرية إلى أن تحدد لنفسها استراتيجية واضحة في هذا المجال قبل أن يفوتها القطار، كما أنبه إلى أن التوسع في الأنابيب سيؤثر بقوة على إيرادات قناة السويس، فضلا عن الآثار السلبية الأخرى لخطط النقل عبر المتجمد الشمالى أو نقل البضائع من الصين إلى أوروبا عبر طريق الحرير.

[email protected]



المصدر : وكالات