فساد وتدنّي خدمات في مستشفياتنا : «أورام خبيثة» دمّرت الصحة العمومية
فساد وتدنّي خدمات في مستشفياتنا : «أورام خبيثة» دمّرت الصحة العمومية

حصة في الفيسبوك

تغرد على Twitter

يشكو قطاع الصحة العمومية في تونس، العديد من المشاكل، تتعلق بالخدمات الصحية والتجهيزات ، والخلل بين الجهات، والإمكانات التي ترصدها الدولة لهذا القطاع الحساس، الذي اصبح يشتكي من رداءته اغلب التونسيين.

أفواج من المرضى في كل مستشفى… ادوية مفقودة، «سكانار» معطل، اما التصوير بالأشعة فهو يحتاج من المريض أحيانا نصف يوم ان لم يكن أصلا مفقودا مما يضطره الى التنقل الى مستشفيات العاصمة، المعدات الطبية هي حكر على مستشفيات دون أخرى، اضافة الى تعطيلات في التسجيل وساعات من الانتظار،هذه بعض المشاهد التي رصدتها “الشروق” في زيارة الى بعض مستشفيات العاصمة.
خلال حديثنا الى بعض المرضى بقاعة الانتظار، أكدوا ان المريض يدخل الى المستشفى بعلة جسدية، يخرج بأزمة نفسية، نتيجة عدة مشاكل تزيد من معاناتهم على غرار طول الانتظار وغياب التجهيزات الطبية والأدوية ينضاف اليها تدني الخدمات الصحية والاكتظاظ.
الصحة العمومية… مريضة
يعتبر عدد من المتابعين لقطاع الصحة بانها تعاني العديد من “العلل” والاورام الخبيثة، بعضهم وصفها بانها مريضة، فمنظومة الصحة العمومية باتت مهددة بالانهيار بسبب العديد من المشاكل على رأسها نقص التجهيزات والمعدات الطبية التي يحتاجها المريض بشكل يومي او تقادم بعضها مما يجعلها غير مطابقة للمواصفات، وأخرى معطلة بسبب عدم صيانتها، اضافة الى ذلك، نقص في عدد الإطارات الطبية وشبه الطبية، وخصوصًا غياب اطباء الاختصاص ببعض الجهات، مما يتسبب في بطء العلاج وحدوث الاكتظاظ بالمستشفيات الجهوية والجامعية بالعاصمة.
اكتظاظ وتدني الخدمات الصحية
طوابير أمام مكاتب التسجيل، ومرضى وجوههم شاحبة بقاعات الانتظار، بعضهم منتشرون على الأرض، في انتظار دورهم لإجراء تحاليل أو كشف أشعة، وآخرون غادروا المستشفى مستاءين وغاضبين لأنه تم تأجيل موعد معالجتهم بعد ان تكبدوا عناء السفر في درجات حرارة مرتفعة.
فهذا أب يمسك بابنه من جهة وبوثائقه الطبية من جهة أخرى وتلك ام تمسك برضيعها، وكيس بلاستيكي لأدويته، وذلك شيخ أنهكه المرض مازال ينتظر دوره فتمدد على الارض، وتلك عجوز قالت أنها تنتظر دورها منذ الصباح الباكر… فالطوابير طويلة امام مكاتب التسجيل وقاعات الانتظار ممتلئة والمواعيد تتاجل لاشهر، وهذه الحالات تتسبب في ضغط كبير ، يؤدي الى تعكير الأجواء بين المرضى والطاقم الطبي لتتعطل الخدمات وتندلع المناوشات في ما بينهم، هذا هو المشهد اليومي بالمستشفيات العمومية. فقطاع الصحة أصبح يعاني أسقاما تعلقت أساسا بنقص التجهيزات والمعدات الطبية وارتفاع نسبة الاكتظاظ وطول فترة انتظار المواعيد زادت في أوجاع المرضى.
خلل في الخارطة الصحية
تشتد مشاكل قطاع الصحة في الجهات الداخلية للبلاد، التي تعاني أغلب مستشفياتها من نقص في أطباء الاختصاص، مما تسبّب في وفاة عشرات المرضى، وتدهور صحة المئات منهم.
ويقر العديد من المتابعين للنظام الصحي العمومي بوجود خلل في الخارطة الصحية بين الجهات –لا ديمقراطية صحية- وذلك على مستوى البنية التحتية وغياب التجهيزات والاطارات الطبية وشبه الطبية، وهو ما جعل البعض يؤكد بان طريق الارتقاء بقطاع الصحة في الجهات صعب.
ويشير المهتمون بقطاع الصحة العمومية ان الانخرام في الخدمات الصحية في الجهات ادى الى خلق مشكل الاكتظاظ بالمستشفيات الجامعية بالعاصمة التي لم تعد قادرة على تقديم الخدمات الطبية والصحية التي يحتاجها التونسي وما تعانيه الصحة العمومية اليوم من علل لا تتماشى مع ما وصل اليه المجتمع التونسي من تحضر، الى جانب عدم تطابق ذلك مع ما بلغته بلادنا من مستوى علمي واكاديمي في هذا المجال، اضافة الى ان وضعية الصحة العمومية اليوم لا تتطابق مع ما تضمنه دستور الجمهورية الثانية الذي يؤكد ان الصحة حق للجميع وان المواطن يمكنه تتبع الدولة جزائيا إذا لم تكفل له هذا الحق .
انتشار الفساد
يصنف قطاع الصحة في تونس على انه من أكثر القطاعات التي تعاني من الفساد وذلك وفقا لإحصائيات المعهد التونسي للإحصاء، وهو ما تقر به ايضا وزيرة الصحة سميرة مرعي التي اكدت في عدة مناسبات تعهد القضاء بملفات فساد تهم القطاع. وقد عرف القطاع تجاوزات مازالت محل تحقيقات قضائية الى اليوم من بينها صفقة اللوالب القلبية الاصطناعية غير الصالحة والتي تم ضبطها في بعض المصحات الخاصة، إلى جانب استخدام تخدير غير صالح للاستعمال ببعض المستشفيات العمومية، مما ادى الى وفاة 3 مرضى. وقد اثارت هذه الحوادث حالة من الغضب والاحتقان في صفوف الراي العام الذي اتهم المسؤولين بالتقصير والاهمال وطالبوا بمحاسبة من يتلاعب بصحة التونسي.
أدوية مفقودة
رغم تخصيص نسبة عالية من ميزانية قطاع الصحة للأدوية، فان المستشفيات والمراكز الصحية في تونس تعاني من نقص فادح في الأدوية يصل في بعض الأحيان إلى حدّ نفاد المخزونات، وبعض الادوية تكون مفقودة لاشهر من المراكز الصحية الاساسية والمستشفيات الجهوية والجامعية، ويكون المواطن مجبورا على اقتنائها من “جيبه”، ويعود ذلك حسب المشرفين على القطاع الى غياب سياسة الاستخدام السليم للأدوية، ونقص التّمويل الكافي إلى جانب الفساد وسوء التصرّف من ذلك تهريب الادوية او التفويت فيها لغير مستحقيها.
الصحة للجميع… شعار
يرى توفيق بن جميع عضو بمنظمة الدفاع عن المستهلك في حديثه ل”الشروق” ان التمتع بالصحة لم يعد من حقوق الجميع بل انه اصبح حكرا على القادرين على المعالجة بالمصحات الخاصة.
وتـابع محدثنا انه من خلال زيارات، قام بها الى بعض المستشفيات العمومية والاستعجالي، فان الوضع اصبح متازما جدا فالبنية التحتية لبعض المستشفيات تكاد تكون شبيهة ببعض البنيات المهجورة جراء الأوساخ وتقادم كراسيها و الاسّرة الى جانب مشاكل اخرى منها الاكتظاظ وطول الانتظار وغياب الادوية والتجهيزات وهو ما يجعل المرضى يجرون بعض التحاليل بالمصحات والمخابر الخاصة ثم يقومون بالكشف الطبي بالمستشفى العمومي.
وأكد توفيق بن جميع انه يشعر بالكثير من المرارة والوجع عندما يتحدث عن وضعية قطاع الصحة العمومية التي كانت منارة في افريقيا الا انها اليوم تشهد خطوات الى وراء نتتجة غياب سياسة صحية ووقائية واضحة.
ودعا محدثنا الحكومة وسلطة الاشراف الى مراجعة سياستها الصحية وايجاد الحلول لتفادي المشاكل والعلل التي يعانيها القطاع والتي زادت من اوجاع المريض التونسي.
تقهقر تدريجي للصحة العمومية
من ناحيته، افاد الدكتور سهيل علويني رئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بالبرلمان في تصريح ل”الشروق” ان الصحة العمومية، كانت تعتبر ركيزة الصحة في بلادنا، لكن ما تشهده اليوم من تقهقر تدريجي امر مقلق، إذ ان المواطن التونسي اصبح يجد صعوبات في التداوي والعلاج، الى جانب عزوف الأطباء الشبان عن العمل والتكوين بالمستشفيات العمومية.
وذكر رئيس اللجنة انه الى جانب المشاكل التي يعانيها قطاع الصحة العمومية توجد أزمة الصندوق الوطني للتامين على المرض (الكنام) الذي لم يعد قادرا على القيام بدوره في التكفل بمصاريف معالجة منخرطيه.
وذكر الدكتور علويني ان الصحة العمومية التونسية، كانت منارة في دول شمال افريقيا لكن ذلك الإشعاع والنجاح تراجع نظرا لعدم وجود مشاريع للإصلاح والوزراء الذين تسلموا حقيبة وزارة الصحة، انشغلوا بإطفاء الحرائق (الاضرابات ومشاكل القطاع …) ولم تكن لهم سياسة صحية واضحة لتطوير النظام الصحي لبلادنا.
وأقر رئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بان واقع الصحة العمومية اليوم حرج وصعب وهو نتيجة تراكمات لسنوات عديدة جراء عدم تراجع منظومة الصحة العمومية وتمويلاتها، داعيا الى مراجعة منظومة الصحة العمومية وعلاقتها بالقطاع الخاص وكليات الطب والانفتاح على التجارب المتقدمة.
استغلال الصحة سياسيا… خط احمر
من جانبها، اكدت الكاتبة العامة لنقابة الاطباء والصيادلة حبيبة الميزوني لـ”الشروق” ان قطاع الصحة العمومية يتخبط داخل سلسلة من المشاكل والصعوبات أضرت بالقطاع وبالمواطن التونسي، مؤكدة ان اصلاح القطاع يتطلب في البداية الكشف عن حقيقة وضع الصحة العمومية في بلادنا ثم تشريك جميع الأطراف عبر حوار بناء وجدي وتكون جميع الاطراف بما فيهم وزارة الصحة العمومية ملزمة بمخرجات الحوار.وأضافت حبيبة الميزوني ان الصحة العمومية لا يجب ان يتم التلاعب بها وانها تبقى اكبر من جميع الاحزاب السياسية مشيرة الى ان استغلال الصحة العمومية سياسيا خط احمر، داعية الى ضرورة الإصلاح في اقرب الاجال.أرقام ودلالات

الصحة العمومية
في ارقام

34 مستشفى جهويا
2180 مركز صحة أساسية
22 مليون عيادة طبية ومليون تدخل جراحي في العام
24 مستشفى جامعيا

المصدر : أخبار السّاعة