باحثات الجمعيات الخيرية.. تحديات على دروب الخير
باحثات الجمعيات الخيرية.. تحديات على دروب الخير

يعد البحث الاجتماعي، حجر الأساس في دراسة المشاريع الخيرية وتصميمها، وتقرير حجم المساعدات الواجبة لكل أسرة وحالة، وفقاً لوضعها الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي، وجمعية «بيت الخير»، تعتبر نموذجاً في هذا المجال، إذ تتم أرشفة بيانات الأسر والحالات إلكترونياً، حيث يصل عدد الحالات والأسر المدروسة في قاعدة بيانات الجمعية حوالي 45 ألف أسرة وحالة مواطنة ومقيمة، أثبت البحث الاجتماعي حاجتها للمساعدة، منها حوالي 5500 أسرة تصرف لها الجمعية مساعدات نقدية بشكل شهري.

وأكد سعيد مبارك المزروعي نائب مدير سنه الجمعية، أن قسم التسجيل والبحث الاجتماعي الذي يتولى اتمام نظام البحث الاجتماعي، أكبر الأقسام وأهمها، لطبيعة الدور المناط به، حيث يقوم بتسجيل الحالات المتقدمة للمساعدة، ودراستها مكتبياً وميدانياً، ودراسة تطور الحالة وتحديث بيناتها، وتحري ما طرأ عليها بشكل دوري.

ونوه المزروعي بأن الجهود التي تقوم بها الباحثات الاجتماعيات، جهود كبيرة ومضنية للوصول إلى الأسر المتعففة، والبحث عن مستحقي المساعدة، لا سيما الباحثات اللاتي يعملن في مراكز هيئة آل مكتوم الخيرية التي تديرها بيت الخير، والتي تغطّي عدداً من المناطق البعيدة والنائية.

وذكر نائب مدير سنه بيت الخير: إن الجمعية تستهدف المواطنين والأُسر المواطنة بشكل أساسي، من خلال شعارها «من الإمارات وإلى الإمارات».

دقة التحري وذكر المزروعي إن دور الباحثة يبدأ من اللحظة التي تتقدم إلينا الحالة طالبة المساعدة، فتبدأ الباحثة بتحري الوضع الدقيق للحالة ومصادر دخلها، وعدد أفراد الأسرة، والظروف التي تعاني منها.

وتـابع أنه بعد استكمال كل الأوراق والبيانات، والاطلاع على ظروف الحالة كما أفادت بها، تقوم الباحثة بدراسة الملف، وتقدير مستوى الدخل الحقيقي، وإدخال بيانات الحالة على شاشة تقديم الطلب، وتقدم توصيتها لحجم ونوع المساعدة التي تقترحها، ورفع الملف إلى مديرة الفرع أو المركز لتدقيقه، والتأكد من مطابقة المعلومات بين الملف الورقي والبيانات الإلكترونية على الشاشة، ومن ثم تقوم باعتماده وتحديد المساعدة الممكنة.

تتوفر في كل فرع ومركز مجموعة كافية من الباحثات الاجتماعيات، اللاتي يتولين تسجيل الحالات ودراستها، بهدف التدقيق في جدية أوضاع واحتياجات طالبي المساعدة، وفي ما يلي عدد الباحثات، وفقاً لكل إمارة.

وتخضع الباحثات الاجتماعيات في بيت الخير للتدريب والتوجيه المستمر لمراعاة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في الأسرة، ويجب وضعها في الحسبان عند الدراسة، ومعظم الباحثات في الجمعية، مواطنات لهن دراية بواقع الأسرة الإماراتية وثقافتها والأعراف والتقاليد المرعية، ويطلب منهن التلطف بالسؤال، وعدم إحراج الأسر المتعففة بالسؤال عن الخصوصيات، والاعتماد على الخبرة والذكاء في تقدير الموقف.

باحثات قياديات

تقدم مهمة البحث الاجتماعي، خبرة عميقة وثرية للباحثات في العمل الخيري، لذلك، فإن عدداً لا يستهان به من الباحثات المميزات، تدرجن في العمل الخيري، حتى وصلن إلى المناصب القيادية في الجمعية.

تقول حليمة عبد الله الظنحاني، التي تدرجت في عملها الخيري من باحثة في فرع الفجيرة، إلى أن أصبحت مدير شؤون الأفرع في الجمعية: «فور حصولي على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية من جامعة الإمارات سنه 1999، التحقت بجمعية بيت الخير، من خلال فرع الفجيرة، الذي لم يكن قد مضى على تأسيسه سوى سنه تقريباً، كباحثة اجتماعية، وأذكر أنه في بداية التحاقي بالفرع، كان يعمل معي شخصان فقط، وكانت مهمتنا الأولى، إجراء البحوث عن الأسر ذات الاحتياجات في كل المناطق الواقعة في إمارة الفجيرة، بامتداد الساحل الشرقي، وبعض المناطق التابعة لإمارة الشارقة، وقد كنت أنا وزميلاتي من الباحثات نغامر بأنفسنا، ونصعد إلى أعالي وقمم الجبال الوعرة، لنلتقي الأسر المتناثرة التي تعيش في تلك المرتفعات البعيدة، وقد اكتشفنا الكثير من القصص، عن حالات تعيش حياة متواضعة.

ذكاء اجتماعي

كما تروي نهلة إبراهيم الأحمد، التي بدأت عملها في الجمعية كباحثة اجتماعية، وأصبحت بعد 15 عاماً مديراً لشؤون مراكز هيئة آل مكتوم الخيرية، التي تديرها «بيت الخير»، عن تعرضها للكثير من المواقف المحرجة والمعقدة في عملها كباحثة، حيث أوقفت الجمعية يوماً المساعدات بشكل مؤقت، لإجراء مسح ميداني، فإذا بإحدى الحالات التي ظنت أن الجمعية أوقفت مساعدتها لها، تأتي وهي تحمل على كتفها طفلها، فاستنكرت الأمر بشدة، وتركت لها الطفل وخرجت، طالبة منها أن تعتني به وتطعمه، لأنها غير قادرة على ذلك، الأمر الذي تذكره اليوم بطرافة، وتستشعر مسؤولية العبء الملقى على عاتقها كعاملة في الحقل الخيري.

وأكدت نهلة على ضرورة أن تتمتع الباحثة بالذكاء الاجتماعي، والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، ونوهت بأنها أخذت موقف المرأة بروح رياضية، فلا يوجد في الدنيا أم تترك وليدها، إذ سرعان ما عادت السيدة بعد مدة قصيرة، فقامت إدارة الفرع بطمأنتها وصرف مساعدة عاجلة لها.

وتذكر موزة المطيوعي، التي تدرجت من باحثة اجتماعية، حتى أصبحت مديرة مركز حتا، أنها صادفت الكثير من الحالات التي أثرت فيها، كان من بينها تلك الزيارة التي قامت بها مع زميلة لها إلى مسكن إحدى الأسر، وكان طلبها مسجلاً باسم الزوج، فاستقبلتهما زوجة طالب المساعدة، فلما سألتا عن صاحب البيت للتحدث معه شخصياً، والتأكد من بعض البيانات، تلعثمت الزوجة، وحاولت أن تخفي وجوده، ما أثار حفيظتهما، لكن الشك والريبة تبددت، عندما علمتا أن الزوج مريض نفسي، وأنه يصاب أحياناً بنوبات غضب، وتخشى الزوجة أن يتصرف معهما بما لا تحمد عقباه، فقدرتا موقف الأسرة، وأوصتا بصرف مساعدة لها.

وأوضحت موزة، أن الباحثة يجب أن تتمتع بدقة الملاحظة، إذ إن الزيارات الميدانية تكشف الكثير من الأمور المعيشية للحالة، من خلال الاطلاع على حالة المنزل والأثاث والملابس والأجهزة المنزلية، وغير ذلك من الأمور.

زيارات ميدانية

وتروي شمسة محمد حضوب، التي تدرجت من باحثة اجتماعية، حتى تبوأت منصب مدير فرع رأس الخيمة، أنها قامت يوماً بإحدى الزيارات الميدانية لمنزل حالة من الجنسية الآسيوية، مسجلة كأرملة، تعول أيتاماً من أب مواطن، ففوجئت بوجود زوجها معها، وكاد الشك يراودها، لولا أن علمت أن هذه السيدة قد تزوجت حديثاً، وهذا لا يلغي طلبها وحاجتها الماسة لمن يرعى أيتامها.

وتقول وفاء السعدي باحثة اجتماعية في مركز العوير، إن الزيارات الميدانية تكشف الكثير من الخفايا والأمور، مثل زواج الرجل سراً بأخرى من دون علم الأولى، وغيرها من القصص الطريفة، وأضافت أن بعض الباحثات يرتبطن نفسياً واجتماعياً بالحالات التي يتابعنها ويعايشنها، لا سيما تلك التي تترك أثراً طيباً في نفوسهن، حتى إذا مرضت إحداهن يقمن بالتواصل معها، والسؤال عنها، وعبرت عن ملاحظة غريبة، بعد أن أصبحت المساعدات تصرف إلكترونياً عبر حساب بنكي، ما جعل التواصل مع الحالات أقل.

المصدر : البيان